خمسون عامًا من الحرب سقط فيها مليونا قتيل لم تستطع رأب الصدع بين جنوب السودان وشماله، بينما يأمل السودانيون أن تجبر الاتفاقات الموقعة كسور السودان، أم تأتى الديمقراطية بالتوافق الذى كلف غيابه السودان كثيرًا. وقد دفع الشماليون والجنوبيون معًا ثمن الصراع على هوية السودان، فلا الشماليون نجحوا فى الاستئثار - وحدهم - بالسلطة والثروة، ولا الجنوبيون نجحوا فى أن يستخدموا -حق الفيتو- ضد انتماء السودان لمحيطه العربى، وبوفاة جون قرنق وحلول أجل الاستحقاقات الانتخابية، يبدو الجنوبيون مرشحين بقوة لإيصال أحد أبناء الجنوب لكرسى الرئاسة فى الخرطوم .
بين العراق ويوغوسلافيا
ووصول مرشح جنوبى للمنصب يعنى أحد احتمالين: أن تخطو السودان خطوة أولى بطريق -سيناريو- البلقان عندما تسبب رفض الصرب تسليم الرئاسة لعضو مجلس رئاسة كرواتى فى فتح الباب لانفصال كرواتيا، ومن ثم اندلاع حرب أهلية استمرت سنوات وسقط فيها مئات الآلاف من القتلى وامتدت لتشمل البوسنة والهرسك. كانت وفاة الرئيس اليوغوسلافى جوزيف بروز تيتو قد خلفت فراغًا كبيرًا فى السلطة تم ملؤه بتشكيل مجلس رئاسة جماعى من المجموعات السكانية المكونة للاتحاد اليوغوسلافى مع هيمنة ظاهرة للصرب على مقدرات الدولة .
وعندما جاء دور ممثل كرواتيا -سيتو ميسوفيتش- لتولى الرئاسة تحت ضغط من الرئيس الصربى -سلوبودان ميلوسفيتش-، فاشتعلت الحرب الأهلية ثم تفاقمت عندما ساند الجيش اليوغوسلافى الاتحادى صربيا بحكم انتماء معظم كبار الضباط إليها وعجزت رئاسة البلاد فى حل الأمور وانتشر الخلاف السياسى بين زعماء البلاد فانفلت الجيش من أيديهم وعجزوا عن ضبط زمام الأمور .
والاحتمال الثانى: أن تكون السودان على طريق النموذج العراقى، حيث يتولى الرئيس الكردى جلال الطالبانى رئاسة الدولة دون أن تكون له سلطات تنفيذية تذكر، فى إشارة إلى أن التاريخ أنصف الأقلية الكردية التى ظلت طوال حكم البعث موضوع إقصاء وتهميش واضطهاد .
وبين السيناريوهين البلقانى باحتمالاته الخطيرة، والعراقى بدلالاته الرمزية يعبر السودان عنق زجاجة قد -تنفرج- بعده الأزمة وقد -تنفجر-!
حلم قرنق القديم
وقد أسفرت الأسابيع القليلة الماضية عن ترشيح اثنين من السياسيين الجنوبيين للمنصب مدعومين بزخم سياسى وترحيب دولى، وقبل هذا وبعده، تراجع كبير فى مكانة المؤتمر الوطنى الحاكم بسبب أزمات داخلية كبيرة وانتقادات دولية أكبر .
وطموح الجنوبيين إلى حكم الخرطوم ليس جديدًا، ففى صيف العام ،1989 وقبل حوالى أسبوعين من انقلاب يونيو -حزيران- الذى أطاح بالديمقراطية الثالثة فى السودان، قال الزعيم السودانى الراحل العقيد جون قرنق فى محاضرة له بمركز إفريقيا بلندن، إن ثمة ضرورة لتغيير سياسى جذرى فى البلاد. كان قرنق يتحدث بعد أن قبول الحكومة السودانية وقتها الاتفاقية التى وقعت بين الجنوبيين وزعيم الحزب الاتحادى الديمقراطى عثمان الميرغنى بإثيوبيا نوفمبر -تشرين الثانى- 1988 .
كان حزب الأمة بزعامة الصادق المهدى ومعه الجبهة القومية الإسلامية بزعامة حسن الترابى قد عارضا تلك الاتفاقية، وأدت ضغوط داخلية خارجية لإسقاط الحكومة فى فبراير -شباط- ،1989 وبناء على هذه الاتفاقية قال قرنق إنه يعتزم قيادة الحركة الشعبية فى الانتخابات متوقعًا أن تربح الحركة كل مقاعد الجنوب (68 مقعداً آنذاك) مضافًا إليها 30 مقعداً أخرى من مناطق السودان الأخرى. وختم قائلاً: -إن الصادق المهدى يتولى رئاسة الوزارة اليوم وحزبه لا يمتلك سوى 100 مقعد!!- .
وبعد المسار التفاوضى الطويل فإن هدف الحركة الشعبية لتحرير السودان قد تحول من -اقتسام السلطة والثروة- إلى الطموح إلى حكم السودان كله، وأصبح صندوق الانتخابات وحده يحدد ما إذا كان بإمكان الجنوبيين أن يحكموا السودان كله أم لا !.
وطموح قرنق الذى بدأ يجد طريقه للتحقق جزء من رؤية أشمل يقصد بها مفهوم -السودان الجديد- كما بشر به قرنق، وتطبيقه العملى أن تتولى الحركة الشعبية الحكم فى السودان فى إطار تحالفات مساندة لها، وهو ما لم يكن موضع إجماع بين قادة الحركة الشعبية ولا بين جماهيرها، ممن كانوا يريدون حلاً مبسطاً يتمثل فى كلمة واحدة -الانفصال- !
بين الترضية والصفقة
وهذه الخلفيات أدت إلى وجود ثلاث قراءات للوجود الجنوبى فى خارطة مرشحى الرئاسة :
الأولى: تقوم على أن ترشيح ياسر عرمان نائب الأمين العام للحركة للرئاسة بدلاً من رئيسها -سلفا كير-، أو أمينها العام -باقان أموم-، يعنى زهدا فى منصب الرئيس ويأساً ضمنياً من إمكانية الوصول إليه .
الثانية: أن اختيار عرمان خطوة ذكية قصد منها حرمان المؤتمر الشعبى من ميزة أن يبدو أكثر وحدوية باختياره عبدالله دينق نيال، وهو جنوبى مسلم، مرشحاً رئاسياً، لكنه من ناحية أخرى أيضًا ينتمى إلى قبيلة -الدينكا- أكبر قبائل الجنوب، ما يمكن أن يسهم فى إنهاء الحديث عن احتكار الشماليين للمناصب الكبرى. والمؤتمر الشعبى فى النهاية حركة قاعدتها فى الشمال تختار مرشحاً رئاسياً من الجنوب لأول مرة فى تاريخ السودان .
فضلاً عن أن اختيار مسلم جنوبى مرشحاً تشيع مناخًا من التعايش والقبول الدينى بين المسلمين والمسيحيين وتحول المنافسة إلى منافسة وطنية لا يتم الفرز فيها بناء على الدين، بعد أن كان الخطاب العام السائد يركز على الجنوب كطرف مسيحى فى مواجهة الشمال كطرف مسلم فى حرب وجود مفتوحة انتهت إلى لا شىء !
القراءة الثالثة: ترجح أن ثمة صفقة تحت الطاولة بين الرئيس البشير والقيادى الجنوبى سلفا كير ميارديت حيث أحجم حزب المؤتمر الوطنى الحاكم عن ترشيح منافس لسلفا كير على منصب رئيس حكومة السودان، وبالتالى ربما فتح الباب لصفقة يذهب فيها جزء كبير من الصوت الجنوبى - برعاية سلفا كير - للرئيس البشير، وكثيرون لا يعرفون أن أكثر من ربع الناخبين هم من الجنوب، ما يعنى أن الصوت الجنوبى سيكون حاسماً لو توحد ولا يقتصر ذلك على أصوات الجنوبيين فى الجنوب، فالصوت الجنوبى فى الشمال موجود ومؤثر حتى إن الشماليين يعبرون عن ذلك بتعبير -الشمال أسمر- .
وفى المقابل يحتفظ -سلفا كير- بسهولة بحكم الجنوب، بينما يبقى لمرشحى الجنوب المتنافسين على منصب الرئيس الدلالات الرمزية لا أكثر !!!
فكرة براقة
وقد أصبحت فكرة انتخاب رئيس جنوبى للسودان - بحد ذاتها - ذات بريق بالنسبة لأطراف أخرى فى السودان، فمثلا، الدكتور خليل إبراهيم رئيس -حركة العدل والمساواة- السودانية التى تحمل السلاح فى الإقليم دعا إلى توافق سودانى على رئيس جنوبى ليحكم السودان كله. محذرا من أن الانتخابات المقبلة فى السودان لن تقود إلى تحول ديمقراطى بل إلى -كارثة شاملة-. والنظام السودانى لا يريد السلام. ويرى الدكتور خليل إبراهيم أن البشير يسعى إلى انتخابات تبقيه فى الحكم لشرعنة نظامه ومواجهة المحكمة الجنائية الدولية. والانتخابات بالنسبة للبشير لن تتعدى توزيع صناديق الاقتراع ومنح بعض الناس جوالات سكر للتصويت دون برنامج، فالقادر هو من يسيطر. وبناء على ذلك يدعو رئيس حركة -العدل والمساواة- صراحة إلى: -ترك الترشح لرئاسة الجمهورية للجنوبيين- !
السيناريو الباكستانى ـ الهندى
وإذا كان ترشيح أكثر من مرشح جنوبى يشير إلى رغبة فى إنقاذ الوحدة بعد أن ضاعت الفترة الانتقالية التى كانت مخصصة لجعل خيار الوحدة جاذبا، فإن خيار الانفصال يظل واردًا، والمخاطر التى يمكن أن تترتب على الانفصال لا يكفى لدرئها تأكيد قيادات النظام السودانى أنهم سيقبلون خيار أهل الجنوب إذا قرروا الانفصال. ويستحضر خبراء -النموذج الباكستانى- التى ترفق انفصالها عن الهند بمذابح واسعة رافقت عملية تبادل سكانى كبيرة سقط فيها مئات الآلاف من القتلى .
وعلى أرض الواقع فى السودان هناك مخاوف لها ما يبررها بينها مخاطر نشوب حروب ووقوع مذابح على أكثر من جبهة. وبعض العليمين بالشأن السودانى يؤكدون أن نتيجة الاستفتاء المقرر تنظيمه العام المقبل تكاد تكون محسومة لصالح انفصال جنوب السودان عن شماله .
والخطر المقبل هو عندئذ سيكون كبيرًا وفى مقدمة الصراعات المحتملة الصراع المسلّح بين فصائل الجنوبيين. وما يجعل هذا الاحتمال واردا بقوة تدفق الأسلحة من الآن. والمخاوف لا تقتصر على هذا بل تمتد لتشمل أيضاً احتمال وقوع مذابح متبادلة لإجراء تهجير واسع للجنوبيين اللاجئين منذ سنوات فى ضواحى الخرطوم، ولأبناء الشمال الموجودين فى المناطق الحدودية التى ستشهد نزاعات مؤكدة بين الشطرين اللذين سينقسم إليهما السودان. وهناك أكثر من ميليشيا مسلحة تنشط فى المناطق الجنوبية .
فهل يؤدى وصول مرشح جنوبى لمنصب الرئيس فى السودان - وهى خطوة رمزية - إلى إنقاذ بلد أنهكته الصراعات على الرموز والهوية أم تفتح الباب لصراعات حقيقية تلطخ خريطة السودان كلها بالدم ؟